محمد أبو زهرة

619

زهرة التفاسير

رَبِّكُمْ ، ولقد روى أن رجلا سأل ابن عمر فقال : إنا قوم نكرى ، أي نستأجر ، فهل لنا من حج ؟ فقال : جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فسأله عن الذي سألتني عنه فلم يدر ما يقول حتى نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ « 1 » . والمعنى على هذا : ليس عليكم إثم أن تبتغوا رزقا حلالا في أيام الحج ، على أن تكونوا في طلبكم وأخذكم بالأسباب معتمدين على الله الخالق المنعم الذي رباكم ، وأنشأكم ونماكم ؛ فإضافة الرزق إلى الله ليس معناه أن نطلبه بالدعاء والتفويض ، بل معناه أن نأخذ في الأسباب ونسعى ، ثم نفوض أمور المقادير إلى مدبر الكون العليم الخبير . وإباحة طلب المال في الحج لا يقتصر على الاتجار الآحادى ، أو طلب المال من الآحاد فقط ، بل يشمل العمل على التبادل الجماعي ، ونمو الاقتصاد بين الأقاليم الإسلامية ؛ فأهل الخبرة بشؤون المال من الحجاج يتصل بعضهم ببعض من الأقاليم المختلفة ، ويعرف أهل كل إقليم ما عند الآخرين من فاضل الرزق الذي تخرجه أرض الله ، وما ينقصهم من أسباب الحياة ، ويتبادلون الفائض ، ويسدون النقص وهو ما يسمى في لغة العصر الحاضر التبادل التجاري ؛ فيعم الخير ، ولا يكون إقليم من الأقاليم الإسلامية في نقص من الموارد ، وآخر في الكثير منها . وهذه تكون إحدى منافع الحج المادية التي اشتمل عليها قوله تعالى : لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ . . . ( 28 ) [ الحج ] . ولقد قال بعض العلماء : إن الاتجار وطلب المال هو من قبيل الرخصة ؛ لأن الله لم يطلبه بل نفى الإثم ؛ فقد قال : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ ونفى الإثم يشير إلى أنه

--> ( 1 ) عن أبي أمامة التيمىّ قال : قلت لابن عمر إنّا نكرى فهل لنا من حجّ ؟ قال : أليس تطوفون بالبيت وتأتون المعرّف - أي عرفة - وترمون الجمار وتحلقون رءوسكم ؟ قال : قلنا بلى . فقال ابن عمر : جاء رجل إلى النبىّ صلى اللّه عليه وسلم فسأله عن الّذى سألتني فلم يجبه ، حتّى نزل عليه جبريل - عليه السلام - بهذه الآية ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ) فدعاه النبىّ صلى اللّه عليه وسلم فقال : « أنتم حجّاج » . أخرجه بهذا اللفظ أحمد : مسند المكثرين ( 6141 ) ، وبنحوه أبو داود : المناسك - الكرى ( 1473 ) ] .